محمد طاهر الكردي

420

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

على ما تبغون من أمر الآخرة ، ومن يصلح الذي بينه وبين اللّه من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه اللّه ، يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان سوى ذلك يود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ، ويحذركم اللّه نفسه واللّه رؤوف بالعباد ، والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ، فاتقوا اللّه في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإن من يتق اللّه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ومن يتق اللّه فقد فاز فوزا عظيما ، وأن تقوى اللّه توقي مقته وعقوبته وسخطه وتبيض الوجوه وترضي الرب وترفع الدرجة ، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب اللّه فقد علمكم اللّه كتابه ونهج لكم سبيله ، ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن اللّه إليكم ، وعادوا أعداءه وجاهدوا في اللّه حق جهاده ، هو اجتباكم وسماكم المسلمين ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة ، ولا قوة إلا باللّه ، وأكثروا ذكر اللّه واعلموا أنه خير من الدنيا وما فيها ، واعملوا لما بعد الموت فإنه من يصلح ما بينه وبين اللّه يكفه اللّه ما بينه وبين الناس ، ذلك بأن اللّه يقضي الحق على الناس ولا يقضون عليه ، ويملك من الناس ولا يملكون عليه ، ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . كذا أوردها في المنتقى وفي خلاصة الوفاء . وليحيى عن عمارة بن خزيمة أنه صلى اللّه عليه وسلم دعا براحلته يوم الجمعة وحشد المسلمون ولبسوا السلاح وركب صلى اللّه عليه وسلم ناقته القصوى والناس عن يمينه وشماله وخلفه ، منهم الماشي والراكب . فاعترضت الأنصار فما يمر بدار إلا قالوا : هلم إلى العز والمنعة والثروة ، فيقول لهم خيرا ، ويدعو فيقول : إنها مأمورة خلوا سبيلها . فمر ببني سالم فقام إليه عتبان بن مالك ونوفل بن عبد اللّه بن مالك العجلاني وهو آخذ بزمام راحلته يقول : يا رسول اللّه انزل فينا ، فإن فينا العدد والعدة والحلقة ونحن أصحاب الفضاء والحدائق والدرك ، يا رسول اللّه كان الرجل من العرب يدخل هذه البحرة خائفا فيلجأ إلينا فنقول له : قل حيث شئت . فجعل يتبسم ويقول : خلوا سبيلها فإنها مأمورة . وقام إليه عبادة بن الصامت وعباس بن الصامت بن نضلة بن عجلان فجعلا يقولان : يا رسول اللّه انزل فينا . فيقول : إنها مأمورة . ثم أخذ عن يمين الطريق ، حتى جاء بني الحبلى وأراد أن ينزل على عبد اللّه بن أبي بن سلول ، فلما رآه وهو عند مزاحم ، أي الأطم ، محتبسا قال : اذهب إلى الذين دعوك فانزل عليهم . فقال سعد بن عبادة : لا تجد يا رسول اللّه في نفسك من قوله ، فقد قدمت علينا والخزرج